يُقصد بالاقتصاد المؤسساتي الاقتصاد الذي تحكمه المؤسسات ويُقصد بها : القيود الموضوعة مجتمعياً والتي تُشكل هيكلية العلاقات والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وتضم القواعد غير الرسمية والحاكمة في المجتمع
( العادات ، التقاليد ، قواعد السلوك ) ، والقواعد الرسمية المتأصلة ( الدساتير والقوانين وحقوق الملكية وقواعد السيطرة ) ومن الممكن أن نطلق عليه "قواعد اللعبة" في المجتمع .
ففي الاقتصاد النيوكلاسيكي ندرس سلوك تعظيم المنفعة والربح للأفراد والشركات بدون قيود مؤسساتية بالمعنى الاصطلاحي السابق ، فحقوق الملكية مصانة ، والعقود تنفذ بشكل كامل دون معوِّقات ، وتكاليف المعاملات للوصول إلى إنجاز المشاريع الاقتصادية تُفترض صفراً ، أما في الاقتصاد المؤسساتي فالموضوع مختلف تماماً لأنه يجب دراسة وفهم البنية المؤسساتية المحددة لأي مجتمع قبل تطبيق الممارسات الاقتصادية الناجحة لمجتمع آخر
وكمثال على ذلك فشل عملية الخصخصة في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بين عامي ( 1992 – 1994 ) ، مع نجاحها في بلدان أوربية أخرى بسبب عدم مراعاة الظروف المؤسساتية الروسية : ( غياب المؤسسات القانونية المناسبة ، ضعف المؤسسات السياسية ، عدم توافق المؤسسات الاجتماعية مع عملية التحوّل ) ، ونتج عن ذلك نتائج كارثية ( استحواذ النخب الحاكمة السابقة ، تكوين احتكارات قوية بدلاً من سوق تنافسية ) .
وهذا ما يجب الانتباه إليه عند تطبيق ممارسات ناجحة في الإدارة الاقتصادية ببلد صغير ذي مواصفات ديموغرافية واجتماعية وجغرافية معينة ، ونقلها بحذافيرها إلى بلد كبير تتعقد مؤسساته وتتشابك قيوده والقواعد الحاكمة فيه، حيث تختلط القوانين القديمة الراسخة بالقرارات الجديدة الآنية المتضاربة ، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية كارثية .
ولعل أهم نقطة جوهرية في الاقتصاد المؤسساتي أن المؤسسات تتكون بصفة عامة كعناصر عضوية داخلية محددة ومولدة طبيعياً من داخل المجتمع نفسه وليست قادمة من الخارج ، لذلك فلا بدّ من الدراسة العميقة للمؤسسات في أي مجتمع ، ورصد مدى توافق أي قرار أو قانون مقترح تطبيقه مع النسيج المجتمعي المؤسساتي القائم أو تعارضه معه
ومن أهم أسباب فشل الأسواق والتي تسببها المؤسسات : ( عدم نضج الأسواق أو كمالها ، الأسواق غير التنافسية والمحصورة تستأثر بها فئة معينة ، عدم توازن قوى العرض والطلب على السلع العامة ، الآثار الخارجية الضارة ، الافتقار للمعلومات وعدم كفايتها أو تضاربها أو شفافيتها ، عدم الوضوح الكامل لحقوق الملكية وضعف حمايتها ، بطء التكيف مع المتغيرات ، عدم استقرار الاقتصاد الكلي) .
وبالتالي، يقدم الاقتصاد المؤسساتي عدسة مكبِّرة تحليلية لا غنى عنها لفهم التنوع في الأداء الاقتصادي بين الأمم والمجتمعات ، ويحذر من مخاطر التطبيق الحرفي للنماذج الاقتصادية دون فهم السياق المؤسساتي الحيوي لكل مجتمع .
دمشق 06 شباط 2026