يسعى الإنسان إلى تأمين معيشته من خلال أعماله التجارية، والتي تعقّدت وتنوّعت أشكالها مع تطور الزمن. وغالبًا ما يُوصَف العمل التجاري بأنه منفصل تمامًا عن البعد المجتمعي، الأمر الذي يجعله في نظر البعض غاية بحد ذاته، لا وسيلة لرفاه المجتمع وتقدّمه وتنميته وتطويره.
غير أن الفهم العميق لحركة الاقتصاد، ولمفهوم الناتج المحلي الإجمالي لأي بلد ــ والذي يعبّر عن مجموع الأنشطة التجارية والخدمية المأجورة داخل ذلك البلد ــ يكشف لنا بوضوح أن للعمل التجاري بُعدًا اجتماعيًا بالغ الأهمية. فحين يباشر أي فرد نشاطه التجاري، فإنه يساهم بشكل غير مباشر في تحريك عجلة المجتمع؛ إذ إن الأموال التي يضخّها في تمويل مشاريعه تُغذّي مختلف فئات المجتمع وتُسهم في تنميتها، لتعود عليه بالنفع بصورة غير مباشرة عندما تدور هذه الأموال داخل المنظومة المجتمعية.
إن تحويل المال إلى الغاية القصوى للعمل التجاري يُفقد الحياة روحها وجوهرها، ويضع الإنسان في دائرة عبودية المال، بما يحمله ذلك من تدنٍ في القيم الإنسانية وانعكاسات سلبية على المجتمع بمختلف شرائحه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن يكون البعد المجتمعي أحد الأهداف الرئيسة للعمل التجاري، بحيث لا يُباشَر أي نشاط تجاري إلا وهو مقرون بما يعود بالنفع على المجتمع ويسهم في الارتقاء به ونهضته.
ومن هذا المنطلق تنشأ المسؤولية المجتمعية للأعمال التجارية، وما يقوم به أصحابها من مبادرات اجتماعية وتنموية ومحلية، والتي تؤدي بدورها إلى تعزيز قوة العلامة التجارية، وترسيخ الهوية التنموية للشركات في أذهان الناس، وبناء الثقة بينها وبين جمهورها في السوق الذي تعمل ضمنه وتسوق منتجاتها من خلاله. فالنتائج المتأتية من التوجه المجتمعي أقوى وأعمق أثرًا من تلك التي تنشأ عن السعي المالي البحت؛ ففي الاتجاه المجتمعي نعطي لنأخذ، أما في الاتجاه المالي فنأخذ لنعطي، وشتّان بين أثر الحالتين في ميزان القيم، وعند الله والناس قبل ذلك وبعده.
دمشق 22 كانون الثاني 2026
م.أحمد صبحي اللحام
رئيس مجلس إدارة
شركة اليسر للارتقاء العمراني